القرطبي
274
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ) يريد مدائن كانت باليمن . وقال أهل التفسير والاخبار : إنه أراد أهل حضور ( 1 ) وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم ، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له ضنن ( 2 ) كثير الثلج ، وليس بشعيب صاحب مدين ، لان قصة حضور قبل مدة عيسى عليه السلام ، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام ، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان ، وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام ، فأوحى الله إلى أرميا أن أيت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب وأني منتقم بك منهم ، وأوحى الله إلى أرميا أن أحمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق ، كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم ، فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد ، فحمل معد وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة ، ثم إن بختنصر نهض بالجيوش ، وكمن للعرب في مكان - وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا - ثم شن الغارات على حضور فقتل وسبى وخرب العامر ، ولم يترك بحضور أثرا ، ثم انصرف راجعا إلى السواد . و " كم " في موضع نصب ب " - قصمنا " . والقصم الكسر ، يقال : قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت والمعنى به هاهنا الاهلاك . وأما الفصم ( بالفاء ) فهو الصدع في الشئ من غير بينونة ، قال الشاعر : ( 3 ) كأنه دملج من فضة نبه * في ملعب من عذاري الحي مفصوم ومنه الحديث ( فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ) . وقوله : " كان ظالمة " أي كافرة ، يعني أهلها . والظلم وضع الشئ في غير موضعه ، وهم وضعوا الكفر موضع الايمان . ( وأنشأنا ) أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم ( قوما آخرين ) . ( فلما أحسوا ) أي رأوا عذابنا ، يقال : أحسست منه ضعفا . وقال الأخفش : " أحسوا " خافوا وتوقعوا . ( إذا هم منها يركضون ) أي يهربون ويفرون . والركض العدو بشدة الوطئ . والركض
--> ( 1 ) وتروى حضوراء ( بالألف الممدودة ) وفي ح الجمل بوزن شكور . ( 2 ) كذا في الأصول : الأب ففيه ضئن كثير الملح صححه في الهامش . ( 3 ) هو ذو الرمة يذكر غزالا شبهه وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسي . ونبه : أي منسي نسيته العذارى في الملعب .